رواسي.. ملتقى الأفكار بين الثابت العاشورائي وانعكاسه على المتغيرات المعاصرة

19-07-2026
منتظر عبد الهادي
منتظر عبد الهادي
تمثل قضية الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) وأنصاره إرثاً إنسانياً غنيًا بالقيم والمعاني والعبر، فإحياء أمر الآل كما اشارت اليه مختلف الروايات عن الائمة الاطهار وحثهم تابعيهم على ذلك، كما ورد عن الامام الصادق (عليه السلام) بقوله: "أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا"، يجعل القارئ المتمعن في السيرة الحسينية يجد أن ذلك الاحياء حمال لأوجه عدة، فلا يقتصر إحياء أمر الحسين وآل بيته وصحبه على النمط العزائي والذي هو ضروري أيضا، وانما يمتد لاستلهام العبر والدروس في مختلف حقول الحياة وميادينها، فيُجعل من تلك القضية منصة رئيسة لبث منهجية تربوية، وشجرة دائمة الثمرة، لا تنفد محصولاتها مهما قُطفت، بل هي دعوة للاستمرار بالقطف من تلك الشجرة المباركة.
ومن هذا المنطلق حرصت العتبة العباسية المقدسة على استذكار عاشوراء والقضية الحسينية عبر طرائق وميادين عدة منها العزائية والأدبية والحوارات الاكاديمية التي من شأنها تمثيل مساحة للحوار العلمي حول القضايا التربوية والنفسية، من خلال استحضار الدروس المستقاة من عاشوراء وتطبيقاتها في الواقع المعاصر.
بمشاركة 260 سيدة من مختلف التخصصات وتحت شعار (من الاحتراق إلى التسامي.. آليات الصبر والمرونة النفسية.. قراءة عاشورائية)، أطلقت العتبة العباسية المقدسة فعاليات ملتقى رواسي الثقافي بنسخته الأولى على قاعات مجموعة العميد التعليمية، وأقام الملتقى مركز الثقافة الأسرية التابع لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة المقدسة.
افتُتح الملتقى بكلمة للمتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة السيد أحمد الصافي، أكد فيها أنّ: "إحياء واقعة الطفّ يجدّد في الإنسان معاني الإيمان والثبات والصبر، ويعمّق أثرها العاطفيّ والفكري والنفسي مع مرور الزمن".
قدّم سماحة السيد أحمد الصافي في مستهلّ حديثه الشكر للقائمات على هذا المُلتقى، داعيًا الله تبارك وتعالى أن يحظى جميع من حضر بمعلوماتٍ قيّمة تُسهِمُ في إثراء الوضع الفكريّ والثقافيّ عندهم.
وقال سماحته: "إنّ قضيّة عاشوراء من القضايا التي تبيّن كيف ترك أغلب الأمّة المبادئ، وكيف نهض بها القلّةُ لإرجاعها، وكيف خلّف ذلك الترك بعد ذلك جراحاتٍ لا تندمل إلى يوم القيامة"، مبيّنًا أنّ: "العقل هو أعظم ما أودعه الله في الإنسان، وبه يكون التكليف والتمييز، ولذلك حظي بمكانةٍ عظيمة في الروايات، وقد بعث الله الأنبياء، وخاتمهم النبيّ محمدًا (صلّى الله عليه وآله)، ليقودوا الناس بالحكمة وينمّوا عقولهم بما يناسب مستوياتهم".
وأوضح سماحته: "أنّ الأخذ بتعاليم الله سبحانه وتعالى، لا يكون إلّا من خلال الجهة التي عيّنها سبحانه وارتبطت به، وهذا أمرٌ ينسجم مع الفطرة؛ إذ لا يُمكن أن يتركَ اللهُ الناسَ بلا مصدرٍ موثوق بعد إرسال الرسل"، مؤكّدًا أنّ: "قيمة الإنسان الحقيقية ليست في أحوال الدنيا، وإنّما في الالتزام بالمنهج الإلهيّ الذي يوصله إلى الجزاء في الآخرة".
وأضاف أنّ: "تقسيم غني وفقير، صحيح ومريض، زعيم ملك ومن عامّة الناس، موظّف وعامل، وهكذا، فهذه تقسيمات الدُنيا، أمّا تقسيمات الآخرة فلها علاقة بالإيمان وبمقدار ما نمتثل لما جاء به الله تبارك وتعالى على لسان أنبيائه ورسله وكتبه".
وأكّد أنّ: "هداية الأمّة لم تنقطع برحيل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، بل استمرّت من خلال أهل البيت (عليهم السلام) الذين تولّوا حفظ المنهج الإلهيّ وبيان تعاليمه، وقد أسهموا في ترسيخ المبادئ التي تنسجم مع القرآن الكريم وتفسّر أحكامه ومعارفه وتوضّحها للناس، ولذا فالسنة النبويّة لم تنقطع بموت النبيّ بل استمرّت حتى سنة 255هـ".
وذكر السيّد الصافي أنّ: "العقل الجمعيّ قد يحجبُ الإنسان أحياناً عن إدراك الحقيقة ويقوده إلى اتّباع الباطل من دون بصيرةٍ، كما حدث مع جيش الأعداء في ملحمة كربلاء، الذي لم يستجبْ لنداءات الإمام الحسين (عليه السلام)، وفي المقابل، كان أصحاب الإمام يقاتلون عن وعيٍ وإيمانٍ بعد أن اختاروا نصرة الحقّ بإرادتهم".
وتطرّق سماحتُهُ إلى أنّ: أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته بلغوا أعلى مراتب الصبر واليقين، بعد أن عرفوا حقيقة الموقف، واختاروا الثبات على الحقّ رغم التضحيات، موضّحًا أنّ: موقف السيدة زينب (عليها السلام) جسّد هذا الصبر الإيمانيّ؛ إذ واجهت المصائب برضا وتسليمٍ لله.
ولفت إلى أنّ: الصبر في نهضة عاشوراء هو طريقٌ للطاعة والقرب من الله، ومن خلاله ينال الإنسانُ الثبات ويجني ثمارَ الإيمان، مبيّنًا أنّ: إحياء واقعة الطفّ يجدّد في الإنسانِ معاني الإيمان والثبات، ويعمّق أثرها العاطفيّ والفكريّ والنفسيّ مع مرور الزمن، لتبقى عاشوراء مدرسةً متجدّدةً يستلهمُ منها الإنسان القيم والمبادئ في مختلف جوانب حياته.
صناعة الوعي تبدأ من مخاطبة الشابات والاكاديميات
من جانبها بيّنت الباحثةُ الإسلاميّة الدكتورة زهراء الهاشمي، أنّ: مُلتقى رواسي يؤكّد أنّ صناعة الوعي لبناء جيلٍ يدرك معاني التضحية والمسؤولية والثبات على المبادئ، يبدأ من مخاطبة الفئات الأكثر تأثيرًا في المجتمع، وفي مقدّمتها الشابّات والأكاديميّات؛ لما يضطلعن به من دورٍ فاعلٍ في صناعة الوعي ونقل القيم.
وبيّنت الهاشمي، أنّ: "محاور المُلتقى ركّزت على ترسيخ الثبات على المبدأ، وتعزيز ثقافة تحمّل المسؤولية، وبيان السبل الكفيلة بتنشئة الأبناء على القيم الأصيلة للصبر، انطلاقًا من المنهج القرآني ونظريات التربية".
وأضافت، أنّ: "توجيه الخطاب إلى الشابّات والأكاديميّات يأتي من كونهنّ أكثر الفئات تأثيرًا في المجتمع، ولما يضطلعنَ به من دورٍ فاعلٍ في صناعة الوعي ونقل القيم، وانطلاقًا من دورهنّ المحوريّ في إعداد جيلٍ واعٍ يدرك معاني التضحية، ويتحمّل المسؤولية، ويتمسّك بالمبادئ والقيم الأصيلة، بما يُسهِمُ في بناء مجتمعٍ أكثر وعيًا واستقرارًا".
وشهد ملتقى رواسي الثقافي بنسخته الأولى انعقاد جلسة حوارية بعنوان: (ترميم الذات في مدرسة الإمام الحسين -عليه السلام- القيم التربوية في عاشوراء من الوجدان إلى بناء الإنسان المسؤول).
وقالت مساعد رئيس جامعة الكفيل للشؤون العلمية، الدكتورة نوال عائد الميالي: "إنَّ الجلسة تناولت آليات الصبر والمرونة النفسية من منظور (عاشورائي)، وناقشت أبرز التحديات التي تواجه الأسرة في ظل الغزو الثقافي والتطور التكنولوجي المتسارع، وما يرافقهما من تأثيرات في منظومة القيم والمعتقدات، مؤكدة أهمية إعداد جيل واعٍ يمتلك القدرة على مواجهة هذه المتغيرات".
وأضافت أنّ: "الجلسة استعرضت الأساليب التربوية التي ينبغي اعتمادها داخل الأسرة المسلمة، وشخصت أبرز مواطن الضعف التي تستوجب المعالجة، إلى جانب بحث السبل الكفيلة بردم الفجوة بين الأجيال في مرحلتي الطفولة والشباب، بما يسهم في ترسيخ أسس التربية السليمة وتعزيز التماسك الأسري".
وأوضحت الميالي أنّ: "الجلسة شهدت تفاعلًا مميزًا من الأكاديميات والمشاركات، وأثمرت عن عدد من المقترحات المستلهمة من معاني واقعة الطف، وفي مقدمتها قيمة الصبر؛ بهدف وضع رؤى وآليات عملية تساعد الأمهات على مواجهة التحديات التربوية والاجتماعية، والاستفادة منها في تنشئة الأبناء وتعزيز الاستقرار الأسري".
كما شهد الملتقى، تقديم محاضرةٍ توعوية بعنوان: (هندسة الصبر في مواجهة الاحتراق.. رؤية نفسية تربوية من واقع عاشوراء).
وقدّمت المحاضرةَ اختصاصيةُ الطبّ النفسيّ والعلاج المعرفي السلوكيّ الدكتورة شيماء ناصري، متناولةً مفهوم الصبر بوصفه مهارةً نفسيّة وتربوية قابلة للبناء والتطوير، في ظلّ ما يشهده المجتمع، لا سيّما فئة الشباب، من تحدّياتٍ وضغوطٍ نفسية تستدعي تعزيز القدرة على التكيّف والمواجهة.
وبيّنت أن اختيار مصطلح "هندسة الصبر" يجسّد الحاجة إلى بناء هذه القيمة والارتقاء بها بصورةٍ واعية، مستلهمةً المعاني العميقة من سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته (عليهم السلام) في يوم عاشوراء، بما يُسهِمُ في تنمية شخصيّاتٍ أكثر اتّزانًا ومرونةً وقدرةً على مواجهة التحدّيات.
وأكّدت ناصري أنّ: على المرأة أن تُدرّب نفسها على التحلّي بالصبر في مختلف المواقف بدلًا من الاستسلام للتذمّر، وأن تنظر إلى التحدّيات بوصفها فرصًا لبناء ذاتها وتعزيز قدرتها على التحمّل، موضّحةً أنّ: المداومة على ممارسة الصبر في المواقف اليوميّة تُكسب الإنسان هذه المهارة تدريجيًا، حتّى تصبح سلوكًا راسخًا يقودُه إلى السلام الداخليّ والهدوء النفسي.
ويأتي تنظيمُ المُلتقى ضمن برامج مركز الثقافة الأسرية الهادفة إلى ترسيخ القيم العاشورائية، وتفعيلها في معالجة القضايا النفسية والتربوية، وتعزيز الوعي الأسريّ، بما ينعكس إيجابًا على استقرار الأسرة والمجتمع.
تأهيل المرأة لبناء أسرة متماسكة
وقالت مسؤولة مركز الثقافة الأسرية السيدة سارة الحفار، أنّ: ملتقى (رواسي) الثقافي بنسخته الأولى جاء استجابةً لما يشهده المجتمع من تحديات نفسية وتربوية، وما تواجهه المرأة من ضغوط تستدعي تقديم رؤى علمية وإيمانية تسهم في تعزيز التوازن النفسي والأسري.
مبينة أنَّ: "الملتقى تضمن جلسة حوارية تناولت القيم العاشورائية الموجهة للأمهات، إلى جانب مجموعة من المحاضرات التخصصية في الجوانب العقائدية والتربوية والنفسية، إضافة إلى محور خاص بالمرونة النفسية وضبط النفس، يقدمها نخبة من الأستاذات من مختلف التخصصات العلمية؛ بما يعزز رسالة المركز في بناء أسرة متماسكة ومجتمع أكثر استقرارًا".
وأضافت أنَّ: "الملتقى يهدف إلى تأهيل المرأة للقيام بدورها في إعداد الأسرة، عبر تعزيز مهارات ضبط النفس وتنمية المرونة النفسية والتربوية، بوصفهما من الركائز الأساسية في إدارة شؤون الأسرة ومواجهة ضغوط الحياة".
وأكدت الحفار، أنَّ: "السيدة زينب (عليها السلام) تمثل النموذج الأكمل في الصبر والثبات والانضباط؛ إذ حفظت الرسالة الإلهية وصانت العيال في أشد الظروف والمحن؛ لتبقى مدرسة خالدة في القوة والإيمان، وتجسيدًا عمليًّا لقيم الصبر والمرونة التي يسعى الملتقى إلى ترسيخها".
وأوضحت، أنّ: "الأسرة تمثّل الركيزة الأساس في بناء المجتمع واستقراره، وأنّ استعادة التوازن النفسي تنطلق من الجمع بين الإيمان والوعي، واستلهام قيم الصبر والبصيرة من مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام)، بوصفها مدرسةً رائدة في بناء الإنسان وترسيخ الثبات على المبادئ".
مشيرة الى أنّ: "مسؤولية المؤسّسات الفكرية والثقافية تقتضي تقديم قراءة معاصرة للتراث الرسالي، تربط بين القيم الإيمانية واحتياجات الإنسان، وتسهم في بناء شخصية تمتلك المرونة النفسية والقدرة على مواجهة التحديات بروح واعية ومستمدة من النهج الإسلامي الأصيل".
وأعربت الحفّار: عن شكرها لسماحة المتولّي الشرعي للعتبة المقدسة على دعمه المتواصل للمشاريع الثقافية والدينية والعلمية النسوية، معربةً عن أملها في أن تسهم مخرجات الملتقى في بناء أسر أكثر وعيًا وتماسكًا، قادرة على تنشئة جيل يحمل قيم ومبادئ أهل البيت (عليهم السلام) فكرًا وسلوكًا ونهجًا.
الاختتام والتوصيات
اختتمت العتبة العباسية المقدسة فعاليات ملتقى (رواسي) الثقافي بنسخته الأولى وتوصي بتعزيز حضور الثقافة النفسية والتربوية في البرامج المجتمعية، وإطلاق برامج مستدامة تُعنى بترميم الذات وبناء التوازن النفسي لدى مختلف شرائح المجتمع.
وشهدت فعاليات الختام إلقاء توصيات الملتقى من قبل مسؤولة وحدة الإرشاد في المركز، السيدة نبأ الحيدري أكّدت فيها أنّ: مخرجات الملتقى انطلقت من رسالة المركز في بناء الإنسان الواعي، وتعزيز المنظومة القيمية والتربوية داخل الأسرة والمجتمع، واستلهام الدروس التي قدمتها النهضة الحسينية في الصبر والثبات والوعي والقدرة على تجاوز التحديات.
مبينة أنّ: التوصيات ركّزت على تعزيز حضور الثقافة النفسية والتربوية في البرامج المجتمعية، وإطلاق برامج مستدامة تُعنى بترميم الذات وبناء التوازن النفسي لدى مختلف شرائح المجتمع، بما يسهم في دعم استقرار الأسرة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات.
وتضمّنت التوصيات إعداد برنامج إعلامي بعنوان (من القيم إلى الأثر)، يستهدف فئة الشباب، ويعنى بتنمية الوعي، وتعزيز مهارات الفهم والتحليل والتمييز، وترسيخ الحصانة الفكرية والعقائدية، وتحويل القيم المستمدة من النهضة الحسينية إلى ممارسات وسلوكيات إيجابية.
كما أوصت بتبني مركز الثقافة الأسرية برنامج (في ظلال القيم)، بوصفه مبادرةً تسعى إلى ترسيخ القيم التربوية والنفسية المستمدة من عاشوراء، وشددت على أهمية تعزيز التعاون مع المؤسّسات التربوية والأكاديمية لإطلاق مبادرات نوعية تُسهم في غرس القيم العاشورائية لدى الأجيال، وترجمتها إلى سلوك وممارسة في الواقع المجتمعي.
واختُتمت فعاليات الملتقى بتكريم المشاركات واللجان الساندة، تقديرًا لعطائهن وإسهاماتهن في إنجاح النسخة الأولى، والتأكيد على مواصلة البرامج الفكرية والتربوية التي تعزّز الوعي الأسري وترسخ منظومة القيم في المجتمع.