إسهامات العتبة العباسية المقدسة في دعم القطاع الصحي العراقي البنية التحتية والصناعة الدوائية والتأهيل العلمي
30-05-2026
علي طعمة حمادي
لم يعدّ دور العتبات المقدسة في العراق مقتصراً على الجانب الديني والخدمي التقليدي فحسب، بل تجاوزه ليشمل قطاعات حيوية: كالصحة والتعليم والبنية التحتية. وتبرز العتبة العباسية المقدسة كنموذج رائد في هذا المجال؛ حيث انطلقت من مسؤوليتها الإنسانية والاجتماعية لتبني مشاريع صحية استراتيجية تهدف إلى النهوض بالواقع الصحي في البلاد، الذي عانى لعقود من الحروب والأزمات.
وهنا نستعرض أبرز إسهامات العتبة العباسية المقدسة في دعم القطاع الصحي العراقي، والتي تشمل إنشاء المستشفيات التخصصية، توطين الصناعة الدوائية، دعم التعليم الطبي، وتقديم الخدمات الإسعافية في الأزمات والمناسبات الكبرى.
إنشاء المستشفيات والمراكز الطبية التخصصية
تمثل المشاريع الصحية الضخمة التي بادرت العتبة العباسية المقدسة بتنفيذها ركيزة أساسية في استراتيجيتها لدعم القطاع الصحي، وقد سعت من خلالها إلى توفير خدمات طبية متطورة تخفف العبء عن المؤسسات الحكومية وتحد من سفر المرضى للعلاج خارج العراق.
مستشفى الكفيل التخصصي
يُعدّ مستشفى الكفيل التخصصي في محافظة كربلاء المقدسة أبرز صرح طبي تبنته العتبة العباسية المقدسة، أسهم في إجراء آلاف العمليات الجراحية المعقدة والنادرة، مما وفر على المرضى عناء السفر للخارج، وجعل المستشفى وجهة للمرضى من مختلف المحافظات العراقية.
مستشفى الزكي (قيد الإنشاء)
تواصل العتبة العباسية توسيع خدماتها الصحية خارج كربلاء؛ عبر إنشاء مستشفى الزكي في محافظة بابل. سعة المستشفى تبلغ (100) سرير، ويُقام على مساحة بـــ(16,200م2)، ويتكون من ثلاثة طوابق وطابق تحت أرضي (سرداب) وبمساحة إجمالية (21,000م2)، ويبلغ ارتفاع المبنى (20م) مضافاً لها بناية ثانوية للخدمات، ويتكوّن من بنايتين: الأولى هي بناية رئيسية للمستشفى، والثانية هي بناية الخدمات وموقف السيارات مع مناطق خضراء، واعتُمِد في تنفيذ المستشفى على بناء الهيكل الكونكريتي والأسس الحصيرية (raft foundation) والتقطيع الكونكريتي، مع استخدام التقنيات الحديثة كافة في أعمال الانهاءات من الداخل والخارج والتي تشمل (التبريد المركزي، الأعمال الكهربائية، الأعمال الصحية)، مع المنظومات الخدمية كافة: منظومة الاستدعاء، منظومة إطفاء الحريق، منظومة الكاميرات، منظومة الاتصالات، منظومة الغازات، وسيقدم المستشفى خدماته الطبية في مختلف الاختصاصات بأحدث الأجهزة، ليشكل إضافة نوعية للخدمات الصحية في المنطقة.
مراكز طبية نوعية
إلى جانب المستشفيات الكبرى، أنشأت العتبة العباسية المقدسة مراكز متخصصة لخدمة شرائح محددة، من أبرزها مركز أم البنين "عليها السلام" لوقاية الأسنان الذي يقدم خدماته لشريحة الأطفال الأيتام، وعيادات طب الأسنان في جامعتي الكفيل والعميد التي تقدم خدماتها لآلاف المراجعين شهرياً، كما دشنت العتبة المطهرة مؤخراً مركز السيد جعفر الحلي للخدمات الطبية الطارئة في كربلاء، وهو مركز مجهز بأقسام طوارئ وصيدلة ومختبر وغرف عمليات صغرى، ليشكل إسعافاً أولياً متقدماً للزائرين على مدار الساعة.
توطين الصناعة الدوائية وتعزيز الأمن الصحي
إدراكاً من العتبة العباسية المقدسة لأهمية الاكتفاء الذاتي في المجال الدوائي، اتجهت نحو إنشاء مصانع ومعامل لإنتاج المستلزمات الطبية الأساسية، في خطوة استراتيجية لدعم الأمن الصحي في العراق.
مصنع الجود للمحاليل الوريدية
يُعدّ مصنع الجود من أهم المشاريع الريادية للعتبة العباسية؛ حيث يهدف إلى تغطية النقص الحاد في مادة المحاليل الوريدية في المستشفيات العراقية.
أقيم المصنع على مساحة 8500م2، ويضمّ 17 مبنى تشمل وحدات إنتاجية وخدمية، وزُود بآلات ومعدات وأجهزة من أفضل المناشئ العالمية لإنتاج أكثر من 24 نوعًا من المحاليل الوريدية، مما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي، ويعزز الأمن الدوائي في العراق، وتعزيز القدرة المحلية على تلبية احتياجات القطاع الصحي.
شركة عين الحياة للصناعات الدوائية
تمثل شركة عين الحياة إحدى ثمار رؤية العتبة لتطوير الصناعة الدوائية. تختص الشركة بتصنيع الأدوية الكيميائية والعشبية والمستحضرات الطبية الأخرى؛ بهدف تقديم منتجات دوائية عالية الجودة تلبي احتياجات السوق المحلية، وتسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي.
تسعى الشركة أيضاً إلى تطوير منتجات جديدة عبر فرق بحثية مختصة، مع التخطيط المستقبلي للتصدير إلى الأسواق الدولية.
دعم التعليم الطبي وتأهيل الملاكات الصحية
لا يقتصر دعم العتبة العباسية المقدسة على الجانب العلاجي فقط، بل يمتد ليغطي الجانب الأكاديمي والتدريبي؛ عبر إنشاء مؤسسات تعليمية متخصصة تهدف إلى رفد القطاع الصحي بملاكات وطنية مؤهلة.
إنشاء كليات طبية متخصصة
أسست العتبة العباسية المقدسة جامعتين أهليتين بارزتين هما جامعة الكفيل في النجف الأشرف وجامعة العميد في كربلاء المقدسة. وتضم هاتان الجامعتان كليات طبية حيوية تشمل: كليات الطب، طب الأسنان، الصيدلة، التقنيات الطبية والصحية، والتمريض؛ حيث تم تجهيز هذه الكليات بمختبرات متطورة وأجهزة حديثة تحاكي ما هو موجود في أرقى الجامعات العالمية، مما يوفر للطلبة فرصة التدريب العملي المتميز ويعزز قدراتهم العلمية.
التعليم المستمر والتأهيل
تنظم العتبة العباسية، عبر أقسامها الطبية، ندوات علمية وورشات تدريبية تهدف إلى رفع كفاءة الملاكات الصحية المحلية. كما تولي اهتماماً خاصاً بتأهيل المتطوعين العاملين في المجال الإسعافي خلال المناسبات الدينية؛ من خلال تعريفهم بالضوابط المهنية والأخلاقية المستمدة من توجيهات المرجعية الدينية التي تؤكد على الدقة في التشخيص والتعاطف مع المريض.
الخدمات الصحية في الأزمات والزيارات المليونية
تبرز إسهامات العتبة العباسية بشكل واضح في أوقات الأزمات والمناسبات الاستثنائية؛ حيث تسخر إمكانياتها الكبيرة لدعم النظام الصحي وتقديم الخدمات للمواطنين والزائرين.
مواجهة جائحة كورونا
كان للعتبة العباسية المقدسة دور بارز وحاسم في دعم الجهود الحكومية لمواجهة جائحة كورونا؛ حيث قامت العتبة المقدسة بإنشاء سبع بنايات مخصصة للعزل الصحي موزعة على محافظات: كربلاء، بغداد، بابل، المثنى، والنجف. كما سارعت إلى بناء معامل لإنتاج الأوكسجين الطبي لتلبية الاحتياجات المتزايدة للمصابين بالفيروس، مما أسهم في تخفيف الضغط الكبير على المؤسسات الصحية الحكومية.
تغطية الزيارات المليونية (الأربعين)
تعد الزيارات المليونية، وفي مقدمتها زيارة الأربعين، اختباراً حقيقياً للبنى التحتية الصحية. وتشارك العتبة العباسية بخطة صحية متكاملة تشمل نشر العشرات من المفارز الطبية الثابتة والمتحركة وعجلات الإسعاف، فقد أنشأت العتبة العباسية المقدسة مركز أم البنين (عليها السلام) الطبي الذي يقدم خدماته على مدار الساعة، وقد استفاد منه أكثر من 4 ملايين زائر خلال ذروة زيارة الأربعين. كما يسهم مركز الكفيل للصحة والسلامة العامة في تقديم الإسعافات الأولية والإخلاء الطبي لمئات الآلاف من الحالات. وقد أشاد وزير الصحة العراقي بهذه الجهود، معتبراً إياها جزءاً مكملاً لخطة الوزارة وداعماً أساسياً لاحتضان الأعداد المليونية.
مبادرات إنسانية نوعية
تتعدى خدمات العتبة العباسية المقدسة الإطار المؤسسي لتصل إلى شرائح مجتمعية محددة عبر مبادرات إنسانية. من ذلك، قيام ملاكات مستشفى الكفيل التخصصي بحملة لفحص النظر للطلبة في محافظة ميسان، شملت أكثر من 250 طالباً وطالبة، وتم تزويدهم بالنظارات الطبية وإحالة من يحتاج لتدخل جراحي إلى المستشفى في كربلاء؛ لإجراء العمليات اللازمة مجاناً.
لذلك، فإن العتبة العباسية المقدسة قد اضطلعت بدور محوري وفاعل في دعم وتطوير القطاع الصحي في العراق، متجاوزة الأدوار التقليدية المنوطة بها، فمن خلال استراتيجية متكاملة جمعت بين إنشاء البنى التحتية الطبية المتطورة، وتوطين الصناعة الدوائية، ودعم التعليم الطبي، وتقديم الخدمات الإسعافية في الأزمات، استطاعت العتبة العباسية المقدسة أن تسهم في توفير الرعاية الصحية للمواطنين، وتعكس هذه الإسهامات رؤية المؤسسة في تعزيز التكافل الاجتماعي وتحقيق التنمية المستدامة، وتؤكد أن تكون نموذجاً وطنياً رائداً في خدمة المجتمع العراقي وتلبية احتياجاته الأساسية.